محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأَنبياء والكتب . وعلى هذا التأويل الآخر ، يحتمل أن يكون : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في محل خفض ، ومحل رفع ؛ فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين : أحدهما من قبل العطف على ما في يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ من ذكر " الذين " . والثاني : أن يكون خبر مبتدأ ، ويكون : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ رافعها . وأما الخفض فعلى العطف على لِلْمُتَّقِينَ وإذا كانت معطوفة على " الذين " اتجه لها وجهان من المعنى ، أحدهما : أن تكون هي " والذين " الأَولى من صفة المتقين ، وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأَربع بعد ألم نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين . والوجه الثاني : أن تكون " الذين " الثانية معطوفة في الإِعراب على " المتقين " بمعنى الخفض ، وهم في المعنى صنف غير الصنف الأَول . وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأَولتان من المؤمنين بعد قوله ألم غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأَولتين . وقد يحتمل أن تكون " الذين " الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الاستئناف ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة . وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الاستئناف إذ كانت في مبتدأ آية وإن كانت من صفة المتقين . فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه ، والخفض من وجهين . وأولى التأويلات عندي بقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس ، وأن تكون " أولئك " إشارة إلى الفريقين ، أعني المتقين والذين يؤمنون بما أنزل إليك ، وتكون " أولئك " مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله : عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وأن تكون " الذين " الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام على ما قد بيناه وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية ، لأَن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود ثم أثنى عليهم ؛ فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات ، كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأَعمال فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر ويحرم الآخر جزاء عمله ، فكذلك سبيل الثناء بالأَعمال ؛ لأَن الثناء أحد أقسام الجزاء . وأما معنى قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم ، كما : حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وتأويل قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنان ، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأَعدائه من العقاب . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا . ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح إدراك الطلبة والظفر بالحاجة قول لبيد بن ربيعة : اعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل